ناقش كل من ديانا بطو وآدم هنية في حوار نشرته "الشبكة الفلسطينية للسياسات" التحولات العميقة التي أحدثتها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ولبنان، إلى جانب استمرار الحرب على غزة، في بنية النظام الإقليمي وموازين القوى الدولية. ويرى الكاتبان أن هذه التطورات لا تقتصر آثارها على فلسطين وحدها، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، بما يعيد تشكيل العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج.


وأبرزت "الشبكة الفلسطينية للسياسات" أن الصراعات الجارية كشفت مدى ارتباط الاقتصاد العالمي بالنفط والغاز وبالأهمية الاستراتيجية لمنطقة الخليج، كما أظهرت أن تداعيات الحرب تجاوزت حدود فلسطين لتؤثر في دول الجنوب العالمي عبر ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتفاقم الأزمات الاقتصادية.


تحالفات جديدة وصراع على النفوذ الإقليمي


يرى آدم هنية أن الولايات المتحدة سعت خلال العقدين الماضيين إلى تعزيز مسار التطبيع بين إسرائيل ودول الخليج باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لمشروعها في الشرق الأوسط. وجاء هذا التوجه في ظل سعي واشنطن إلى مواجهة تنامي النفوذ الصيني والحفاظ على سيطرتها على شبكات الطاقة والتجارة العالمية.


وأوضح أن الخليج ما زال يحتفظ بمكانة مركزية في الاقتصاد الدولي رغم التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، إذ تواصل دول المنطقة زيادة إنتاج النفط والغاز بالتوازي مع الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة. كما تعتمد الصين بصورة كبيرة على واردات الطاقة القادمة من الشرق الأوسط، ما يمنح المنطقة وزناً استراتيجياً متزايداً في التنافس الدولي.


في المقابل، ترى ديانا بطو أن الأولوية داخل إسرائيل لم تعد تتركز على التطبيع كما كان الحال قبل أكتوبر 2023، بل انتقلت نحو تكريس الهيمنة الإقليمية وإضعاف مراكز القوة العربية المنافسة سياسياً واقتصادياً. وتعتقد أن الحكومة الإسرائيلية تسعى إلى فرض واقع إقليمي يجعل التواصل مع الولايات المتحدة يمر عبر البوابة الإسرائيلية، بما يعزز موقعها بوصفها القوة المهيمنة في المنطقة.


الخليج والصين بين الاقتصاد والسياسة


اعتبر هنية أن قرار الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك يعكس جانباً من التحولات الجارية في أسواق الطاقة العالمية، ورغبة أبوظبي في توسيع هامش حركتها الإنتاجية بعيداً عن القيود التقليدية للمنظمة. كما أشار إلى تنامي العلاقات الإماراتية مع إسرائيل والولايات المتحدة في إطار مسار التطبيع الذي برز بعد اتفاقيات أبراهام.


وفي ما يتعلق بالصين، أوضح أن بكين تتابع تطورات الشرق الأوسط عن كثب نظراً لاعتمادها الكبير على الطاقة القادمة من الخليج وأهمية المنطقة لمبادرة الحزام والطريق. ومع ذلك، لا يبدو أن الصين تسعى إلى لعب الدور الأمني نفسه الذي مارسته الولايات المتحدة لعقود، رغم تنامي حضورها الاقتصادي والسياسي.


وأضافت بطو أن الموقف الصيني تجاه القضية الفلسطينية ظل مستقراً نسبياً، إذ يدعم إنهاء الاحتلال وحل الدولتين، لكنه يتجنب الانخراط المباشر في الصراع باستثناء بعض المبادرات الدبلوماسية الهادفة إلى تعزيز الوحدة الفلسطينية.


تداعيات اقتصادية وتراجع الاهتمام بفلسطين


حذر هنية من أن آثار الحرب الحالية لا تقتصر على الشرق الأوسط، بل تمتد إلى دول الجنوب العالمي التي تعتمد على واردات الطاقة والأسمدة والمنتجات البتروكيماوية القادمة من الخليج. وأوضح أن أي اضطراب في هذه الإمدادات ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء وتكاليف الإنتاج الزراعي والنقل، ما يزيد الضغوط على الدول التي تعاني أصلاً أزمات اقتصادية وإنسانية.


من جانبها، أكدت بطو أن الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية تراجع مع اتساع نطاق الحرب الإقليمية وتحول الأنظار نحو المواجهة مع إيران. ورأت أن هذا التحول منح إسرائيل مساحة أوسع لمواصلة عملياتها العسكرية في غزة وتوسيع سيطرتها على الأرض وسط تراجع الضغوط الدولية.


وخلص الحوار إلى أن الحرب الحالية لا تعيد فقط رسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، بل تكشف أيضاً عن الترابط العميق بين الصراعات الإقليمية والاقتصاد العالمي، في وقت تظل فيه القضية الفلسطينية إحدى أبرز ضحايا التحولات الجارية في النظام الدولي.

 

https://al-shabaka.org/roundtables/the-gulf-and-israel-war-normalization-and-the-global-economy/